السيد عباس علي الموسوي
126
شرح نهج البلاغة
( ألا وإنّ هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم إليه ) كأنه عليه السلام يقرأ بما في ضمير الناس ويفتح قلوبهم ليحكي ما يتحرك فيها ومحوره الدنيا فيقول : ألا وإن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها فكل واحد يتمنى شيئا منها فهذا يتمنى الزعامة ويرغب فيها ويعمل لها . . وذاك يتمنى المال ويرغب فيه ويسعى وراء كسبه والثالث يتمنى النساء ويرغب فيها ويسعى في سبيلها وهكذا دواليك . وكذلك أشار إلى أنها هي الدنيا تغضبكم وترضيكم فإذا أعطوا منها وحصلوا عليها رضوا وفرحوا وإذا منعوا عنها ولم يقدروا عليها غضوا وحزنوا فلم يكن الرضا والغضب للهّ ومن أجله . . يقول : إن هذه الدنيا التي تتأثرون بها هذا التأثر ليست بداركم الحقيقية التي تليق بكم وسوف تستقرون بها ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم له إنكم خلقتم للآخرة ودعيتم إليها فاعملوا لها . . . ( ألا إنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها وهي وإن غرتكم منها فقد حذرتكم شرها فدعوا غرورها لتحذيرها وأطماعها لتخويفها ) هذه هي نهاية الدنيا التي نتقاتل من أجلها ويضرب بعضنا وجوه بعض من أجل الحصول عليها . . مهما جمعت وملكت فلن يبقى لك ولن تبقى له ، سترحل عنه وتتخلى للوارث وهو أيضا سيتركه لغيره من الحوادث والوارث . . إنها لن تبقى لنا ولن نبقى لها كلمة لها معنى ومدلول . . ما أروعه لو فكر فيه الإنسان وعاش بضع لحظات في مدلوله . . تهون الدنيا وتصغر وتضمحل حتى تذوب . . . وبيّن أنها إذا غرت هذا الإنسان بما فيها من متع وملذات ومناظر جميلة وبعض حياة ناعمة فقد حذرتنا من شرها وبينت لنا عواقبها ومنتهى الإنسان فيها . . . بيّنت أنها إلى زوال وفناء وإنها لا تبقى ولا تدوم ، . . والعاقل من يترك ما يغره فيها إلى ما يحذره منها ويترك ما يطمع فيه منها إلى ما يخاف منها . . فإن دفع المضرة أولى من جلب المنفعة وخصوصا إذا كانت المنفعة سريعة الانقضاء والزوال . . . ( وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها وانصرفوا بقلوبكم عنها ولا يخنن أحدكم خنين الأمة على ما زوي عنه منها واستتموا نعمة اللّه عليكم بالصبر على طاعة اللّه والمحافظة على ما استحفظكم من كتابه ) اسرعوا إلى اعمال الخير في هذه الدنيا وبادروا إليها وأنتم فيها إلى الدار الآخرة التي دعيتم إليها ويكون مستقركم فيها ، وانصرفوا